الاستحقاق الزائف في زمن الضوضاء الرقمية: هشاشة جيل يصعب عليه تقبّل كلمة "لا"
في زمن تغزوه الضوضاء الرقمية وتغمره السرعة الافتراضية، يبدو أن كلمة "لا" أصبحت فريضة غير مُعلنة في عقول جيل لا يتقبل الرفض. جيل تربّى على الإعجابات اللحظية، والاستجابات الفورية، والصور المصفّاة بعناية، مما جعله هشًّا نفسيًا، غير قادر على مواجهة الواقع كما هو.
لقد تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي من كونها أدوات للتواصل ونقل المعرفة، إلى منصات تُغذي شعورًا زائفًا بالاستحقاق. يتلقى الفرد عبرها جرعات يومية من الصور الإيجابية الكاذبة، والمعلومات المضللة، مما يغرس في النشء فكرة أن النجاح سهل، والجمال مثالي، والحياة خالية من الإخفاق. ومن هنا، يبدأ الخلل في التكوّن.
تشير تقارير الصحة النفسية العالمية إلى أن أكثر من 280 مليون شخص حول العالم يعانون من الاكتئاب، والمراهقون هم الفئة الأكثر تأثرًا. ووفق دراسة بريطانية نُشرت عام 2021، فإن 74% من الفتيات المراهقات يشعرن بأن الصور على وسائل التواصل تؤثر سلبًا على تقديرهن الذاتي. وماذا بعد؟ تتشكل لدى هذا الجيل قناعات مشوهة عن الذات والنجاح والفشل، أساسها ما يراه لا ما يعيشه.
ومع غياب التربية الدينية، وضعف القيم الفكرية، وغياب القدوة، تترسخ مشاعر السخط في نفوس الشباب. تنسحب قيم الرضا والصبر، ويعلو صوت المقارنة، وتُطرح الأسئلة المؤرقة: "لماذا أنا؟ لماذا لست مثلهم؟"، وهنا يبدأ التمرد الداخلي، وتنهار المرجعيات الدينية والمجتمعية، مما قد يفتح الباب لفكر إلحادٍ قائم على الإحباط لا على القناعة.
هذا السخط لا يظل حبيس النفس، بل يتحوّل إلى عزلة مجتمعية، وقطيعة داخل الأسرة، وهروب كامل إلى العالم الرقمي. هناك فقط يجد المراهق رفيقًا لا يرفضه، وعالمًا لا ينتقده، بل يُغذيه بإعجابات لحظية تعزز الصورة التي يريدها عن نفسه. فإذا قلّ التفاعل، أو فشل في نيل ما كان يتوقّعه من "لايكات"، تحوّل الانكسار اللحظي إلى انكسار نفسي، وربما كارثة إنسانية.
إننا اليوم لا نواجه مجرد ظاهرة تقنية، بل أزمة قيم وتقدير ذاتي وخلل في الإدراك. وعلى الرغم من أن البيئة الرقمية كان يُفترض أن تكون وسيلة لتسهيل المعرفة وربط العالم، إلا أن الاستخدام غير الموجّه لها عمّق الفجوة بين الواقع والمأمول، وبين الشباب والتوقعات المجتمعية منهم.
لذا، فإن مسؤوليتنا كمجتمع تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند الدولة. نحتاج إلى رقابة مجتمعية واعية، وتشريعات قانونية تحمي النشء من المخاطر النفسية للتكنولوجيا، ودور فعّال للمدارس والجامعات ومنابر التعليم الديني، وعلى رأسها الأزهر الشريف، في بثّ الوعي الحقيقي، وتكثيف الندوات الثقافية والتوعوية.
إن حماية النشء لم تعد رفاهية، بل واجبٌ مقدّس، تتقاسمه الأسرة، والمؤسسات التربوية، والمجالس النيابية، والمنابر الإعلامية. وحده الجيل الواعي، الذي يفهم نفسه كما هي، ويتقبل الفشل كجزء من الرحلة، هو القادر على النهوض بمجتمع أكثر توازنًا وثباتًا في وجه هذه العاصفة الرقمية.
تعليقات
إرسال تعليق